عبد الرحمن بن محمد البكري
33
الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار
ومن هاهنا غلط كل عالم بالأمر غير متحقق بالمعرفة ، وغلط أهل المعرفة الذين لم يتحققوا في العلم باللّه عز وجل . وقال : من شأن النفس إذا سومحت سخرت ، وإذا سخرت استولت ، وإذا استولت حكمت ، وإذا حكمت قتلت ، وليس لقتلاء النفوس دية ، ولا قود كما ليس للمحارب حرمة ولا دية . وقال : العدل صفة لمالك الأشياء ، والجور مردود إلى كل محدث مخلوق فمحفوظ ، ومتروك بين الأمر ، والنهى فنحن مأمورون ، ومنهيون ، وداؤنا منا ، المخلوق منا في أنفسنا ، وداؤنا موجود بتوفيق الحق لنا فينا المخلوق في عقولنا ، وعلم ذلك كله مردود إلى ربنا ، ونحن رهائن بين قضائه ، وقدره موقوفون بين مشيئته ، وحكمه « 1 » . وقال : ليس الهالك من ذهبت نفسه ، إنما الهالك من ذهب دينه ، وليس المغبون من خدع في ماله ، إنما المغبون من غبن عمره ، ولست أعجب ممن استفزه التأويل ، إنما أعجب ممن عبد الحق على يقين ، ولست أعجب ممن انتصاره غضبا لنفسه ، إنما أعجب ممن لا يغضب للّه على نفسه ، ولست أعجب من جاهل مقيم على جهله ، إنما أعجب من عالم لا يردعه علمه قد أفتنه ثناء الجهال عليه ، وهو لم يثق باللّه على الحقيقة في رزقه ، ولا حال خوفه دون خوف مخلوق يحذره .
--> ( 1 ) العدل : إعطاء كل ذي حق حقه من غير تحيز ، أو محاباة أو تفرقة بين المستحقين ، أو تدخل لهوى النفس . وعكسه الجور ، والحيف ، والظلم ، فالجور العدول عن الحق ، والحيف الميل في الحكم والجور فيه ، والظلم مجاوزة الحدّ ، ومفارقة الحق ، ووضع الشئ في غير موضعه المختص به ، إما بزيادة ، وإما بنقصان ، وإما بعدول عن مكانه أو زمانه ، وهو وخيم العاقبة . ومن أسمائه جلّ شأنه : العدل ، ومعناه المنزه عن الظلم والجور في أفعاله وأحكامه ، الذي يعطى كل ذي حق حقه ، ويضع كل شئ موضعه . وقد ذكر العدل في القرآن الكريم ( 18 ) مرة ، ووردت مادة ( القسط ) بمعنى العدل ( 33 ) مرة .